أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

355

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أيضا . وفي جواز كون هذا من التنازع نظر ، من حيث لزوم الفصل بين المصدر ومعموله بالمعطوف حال إعمالك غير الثالث فتأمله ، وقياس من جوّز التنازع في فعل التعجب والتزم إعمال الثاني لئلا يلزم الفصل أن يجوز هذا على هذه الحالة . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 90 إلى 95 ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 91 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 92 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 93 ) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 94 ) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 95 ) قوله : وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى . مصدر مضاف لمفعوله ، ولم يذكر متعلقا « العدل والإحسان ، والبغي » ليعم جميع ما يعدل فيه ، ويحسن به إليه ، ويبغي فيه ، فلذلك لم يذكر المفعول الثاني الإيتاء ، ونصّ على الأول حضا عليه ، لإدلائه بالقرابة فإنّ إيتاءه صدقة وصلة . قوله : يَعِظُكُمْ يجوز أن يكون مستأنفا في قوة التعليل للأمر بما تقدم ، أي : إنّ الوعظ سبب في أمره لكم بذلك . وجوّز أبو البقاء أن يكون حالا من الضمير في « يَنْهى » . وفي مخصوصة الحال بهذا الفاعل فقط نظر ، إذ يظهر جعله حالا من فاعل « يَأْمُرُ » أيضا ، بل أولى ، فإنّ الوعظ يكون بالأوامر والنواهي ، فلا خصوصية له بالنهي . قوله : بَعْدَ تَوْكِيدِها . متعلق بفعل النهي والتوكيد : مصدر ، وكّد يؤكّد بالواو ، وفيه لغات أخرى : أكّد يؤكّد بالهمز . وهذا كقولهم : أرّخت الكتاب وروّجته . وليس الهمزة بدلا من واو كما زعم أبو إسحاق ، لأن الاستعمالين في المادتين متساويان ، فليس ادعاء كون أحدهما أصلا أولى من الآخر . وتبع مكي الزجاج في ذلك ، ثم قال : « ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة ، كما لا يحسن أن يقال ذلك في : أحد ، إذ أصله وحد ، فالهمزة بدل من الواو » . يعني أنه لا قائل بالعكس ، وكذلك تبعه في ذلك الزمخشري أيضا . و « تَوْكِيدِها » مصدر مضاف لمفعوله . وأدغم أبو عمرو الدال في الفاء ولا ثاني له في القرآن ، أعني : أنه لم يدغم دال مفتوحة بعد ساكن ، إلا في هذا الحرف . قوله : « وَقَدْ جَعَلْتُمُ »